
احذر قبل أن تستخدم… VPN المجاني في سوريا سلاح ذو حدين
أثناء تصفحها المعتاد على الجوال تلقت روعة المحمد، 30 عاماً، إشعاراً يمكنها الاطلاع عليه لمرة واحدة فقط، وعند فتحه قرأت أن جهة مجهولة استخدمت بريدها الإلكتروني في أربع جلسات ومواقع في الويب المظلم، ما جعلها تستعين بفريق أمن وسلامة رقمية يقدم خدمات في الشمال السوري لتفسير رسالة البريد الإلكتروني التي تجهل معناها.
إحدى متطوعات الفريق زودت روعة بتطبيق لفحص التطبيقات والروابط والملفات على جوالها المحمول لتحديد أي البرامج تسبب باختراق حسابها واستخدامه في أماكن مشبوهة دون علمها، وبعد الفحص تبين أن تطبيق VPN المجاني الذي تستخدمه هو مصدر التهديد. لذا سارعت إلى حذفه على الفور وطبقت نصائح أخرى أرشدها إليها أعضاء الفريق.
تتساءل روعة كيف يمكنها الاستفادة من خدمات VPN التي لا تستطيع الاستغناء عنها في عملها بالتسويق الإلكتروني وكتابة المحتوى دون أن تتعرض خصوصيتها للانتهاك؟ تقول: “أحتاج دائماً لزيارة مواقع لا يمكن فتحها دون استخدام التطبيق، فطبيعة عملي تتطلب مني البحث عن معلومات وقراءة مقالات بشكل كبير، بعض هذه المواقع محجوبة بسبب العقوبات المفروضة على سوريا وتحتاج لـ VPN لفتحها”. لكنها في الوقت نفسه تحرص على خصوصيتها التي لا يمكن أن تضحي بها حتى لو كان ذلك على حساب أدائها في العمل، حسب وصفها.
مع تطبيق العقوبات والحجب الجغرافي المفروض على الإنترنت في سوريا، لجأ سوريون لاستخدام تطبيقات VPN المجانية كوسيلةً شائعة لتجاوز القيود والوصول إلى المواقع المحجوبة أو لتنصيب تطبيقات يحتاجونها على أجهزتهم. لكن وسط هذا الاستخدام المتزايد، يغفل كثيرون عن المخاطر التي قد تهدد خصوصيتهم وأمن بياناتهم الشخصية.
ما هو VPN؟
هو اختصار لـ (Virtual Private Network)، وهي تقنية تتيح للمستخدمين إنشاء اتصال آمن بين أجهزتهم والإنترنت عبر خوادم وسيطة قبل الوصول إلى الموقع المطلوب. يهدف هذا الاتصال إلى تشفير البيانات وتغيير عنوان IP وتزويد المستخدم بعنوان IP تابع للخادم الوسيط لتجاوز الرقابة، كما تعمل هذه التقنية على تشفير البيانات بحيث لا يمكن اعتراضها من قبل مزودي الإنترنت أو القراصنة، مما يعزز الخصوصية والأمان أثناء التصفح.
أما عنوان IP فهو اختصار لبروتوكول الإنترنت (Internet Protocol)، وهو عنوان يُستخدم لأجهزة الحوسبة، مثل: أجهزة الحاسوب الشخصيّة، والأجهزة اللوحية، والهواتف الذكية، مهمّته تحديد عنوان للأجهزة المذكورة، لتتمكّن من التواصل مع الأجهزة الأخرى في شبكة IP، ويحمل كلّ جهاز عنوان IP مختلف عن غيره من الأجهزة.
المشكلة تكمن في أن هذا الخادم الوسيط سيكون قادرًا على الاطلاع على نشاط المستخدم، خاصة في التطبيقات المجانية منه. كما أن معظم المستخدمين لا يدركون أن ما يبدو كـ “خدمة مجانية” قد يكون فخًّا لاستغلال بياناتهم الشخصية.
الجانب المظلم لتطبيقات VPN المجانية
تعلمت روعة من تجربتها أنه “لا شيء بالمجان” وعلمت بعد أن سعت لتثقيف نفسها إلكترونيًا أن معظم تطبيقات VPN المجانية تموّل نفسها عبر جمع وبيع بيانات المستخدمين لشركات إعلانية أو للحكومات أو حتى لأطراف ثالثة قد تستخدمها لأغراض غير أخلاقية.
هذا يعني أن سجلّ التصفح وعنوان IP الخاص بالمستخدم وبيانات تسجيل الدخول، قد تكون مكشوفة للجهات التي تدير التطبيق، وقد تؤثر بعض خدمات VPN على سرعة الاتصال بسبب التشفير وإعادة توجيه البيانات عبر خوادم بعيدة.
كما أن العديد من تطبيقات VPN المجانية قد تحتوي على برمجيات خبيثة أو أدوات تتبع مخفية، ما يجعلها قنوات مفتوحة للتجسس على المستخدمين. بعض التطبيقات قد تصل إلى سجلّ المكالمات والرسائل، أو إلى الكاميرا والميكروفون دون علم المستخدم.
وتفتقر العديد من التطبيقات المجانية إلى معايير الأمان الكافية، مما يجعل بيانات المستخدمين عرضة للاختراق أو التسريب. في بعض الحالات يتسبب ضعف الأمان في كشف عنوان IP الحقيقي، مما يلغي الغرض الأساسي من استخدامه، بعكس VPN المدفوعة التي توفّر تشفيرًا قويًا.
ناهيك عن أن بعض الخدمات المجانية تعتمد على تقنية تُعرف بـ “شبكات النظير للنظير” (P2P VPN)، يتم فيها تحويل جهاز المستخدم إلى نقطة عبور للآخرين دون علمه مثل الويب المظلم (Dark web)، هذا قد يجعله متورطًا في أنشطة مشبوهة دون أن يكون على دراية بذلك (كالذي حدث مع روعة).
VPN في الشركات والأعمال
استخدام VPN (الشبكات الافتراضية الخاصة) لم يقتصر على الأفراد فحسب، بل تعتمد بعض الشركات عليه لتأمين اتصالات الموظفين عن بُعد وحماية بياناتهم من الاختراق، إذ تساهم هذه التقنية في تأمين الوصول وتعزيز الأمان عبر الإنترنت دون تعريض المعلومات الحساسة للخطر.
الخبير التقني حسن الحسين يؤكد أن استخدام VPN المجاني في الشركات يمكن أن يكون سلاحًا ذو حدين، فعلى الرغم من أنه يعزز الأمان والخصوصية، إلا أنه قد يسبب مخاطر كبيرة إذا لم يتم استخدامه أو إدارته بشكل صحيح، لأنه قد يؤدي إلى تقليل سرعة الاتصال والإنتاجية،
فبعض الشبكات الافتراضية الخاصة تبطئ سرعة الإنترنت، مما قد يؤثر على كفاءة العمل، خاصة إذا كانت الشركة تعتمد على الخدمات السحابية أو الاجتماعات عبر الإنترنت.
هذا قد يؤدي إلى تعطيل العمليات اليومية وزيادة وقت تنفيذ المهام مما يعرقل عمليات الشركة، خاصة عند التعامل مع بيانات كبيرة. كذلك قد يعرض الشركة لخطر الهجمات الإلكترونية، فإذا تم اختراق خادم VPN الذي تعتمد عليه الشركة سيتمكن المهاجمون من اعتراض البيانات.
خطر التطبيقات خارج المتجر
العقوبات المفروضة على سوريا أثّرت بشكل كبير على الوصول إلى الخدمات والمنصات الرقمية العالمية. بعض العقوبات يمكن التحايل عليها عبر VPN، وأخرى لا يمكن حلها بسهولة.
ولأن تحميل بعض التطبيقات مباشرة من متجرGoogle Play محظور على المستخدمين في سوريا، يلجأ سوريون لتحميل التطبيقات عبر استخدام VPN. ياسمين حسن (اسم مستعار) مستخدمة استعانت بـ VPN لتنزيل تطبيق واتس آب وهمي على هاتفها الجوال، ما عرضها لعملية ابتزاز وتهديد بعد الوصول لصورها التي استخدمتها عبر هذا التطبيق.
لجأت ياسمين لفريق مختص بالأمن والسلامة الرقمية في الشمال السوري لتحديد سبب الاختراق وحل المشكلة، وبعد فحص تطبيقات الجهاز أكد لها مختصون في الفريق أن استخدامها لتطبيقات خارج المتجر (VPN أحدها) هو مصدر التهديد واتبع معها إجراءات الأمان اللازمة.
إرشادات ونصائح
ينصح المهندس أحمد بربور، خبير تقني، بمراعاة بعض المعايير الأساسية للتأكد من أن تطبيق VPN على جهازك هو الاختيار الصحيح، من خلال قراءة سياسة الخصوصية لأي تطبيق قبل استخدامه، وتجنب التطبيقات التي لا تحدد بوضوح كيف يتم التعامل مع بيانات المستخدم الشخصية، واختيار خدمات VPN التي تعلن صراحةً أنها لا تسجل سجلات المستخدمين (No-Log Policy).
والاعتماد على التطبيقات ذات الشفافية والمصداقية التي لديها تقييمات جيدة ومراجعات موثوقة على متاجر التطبيقات أو المواقع المتخصصة. ويفضل استخدام التطبيقات مفتوحة المصدر، إذ يمكن تدقيقها أمنيًا من قبل الخبراء.
أيضًا تجنّب تحميل VPN من متاجر غير رسمية، لأن التطبيقات المزيّفة قد تحتوي على برمجيات خبيثة. والتأكد من استخدام بروتوكولات تشفير قوية، وعلى المستخدم تحديث الجهاز وبرامج الحماية باستمرار لتقليل مخاطر الاختراق.
روعة وياسمين مثالان على حالات كثيرة تتعرض لانتهاك الخصوصية دون أن تعلم، فأمام تحديات الرقابة والقيود على الإنترنت، يجد المستخدم نفسه مضطرًا لاستخدام VPN كأداة أساسية للحرية الرقمية. ولضمان عدم وقوعه في فخ التصيد واختراق الخصوصية يجب أن يكون على دراية بالخيارات الموثوقة التي توفر التشفير القوي وسياسات الخصوصية الواضحة.