الشائعات الرقمية.. كيف تحول السوشيال ميديا الى ساحة للخبر الزائف؟

في عصر الإنترنت، أصبح التواصل عبر منصات السوشيال ميديا جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية. حيث تقدم هذه المنصات للأفراد القدرة على مشاركة الأخبار والمعلومات في وقت قياسي، مما يساهم في تسريع تبادل المعرفة على مستوى العالم. ومن أبرز هذه المنصات التي تأخذ طابعًا عالميًا، نذكر فيسبوك، تويتر، إنستغرام، ويوتيوب، التي أصبحت مصادر رئيسية للأخبار والمحتوى الترفيهي، بل وأيضًا للأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها مختلف البلدان.

ومع هذا التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات، أصبحت الشائعات الرقمية تشكل تهديدًا جادًا يؤثر على الأفراد والمجتمعات بشكل كبير. ففي حين أن منصات السوشيال ميديا توفر فرصة واسعة للتفاعل بين الناس من مختلف الجنسيات والثقافات، فإنها في الوقت ذاته أصبحت مصدرًا لنشر الأخبار غير الصحيحة أو المغلوطة، بما في ذلك الشائعات والأخبار المزيفة. فقد أثبتت الدراسات أن ما يقارب 60% من الأخبار التي يتم تداولها عبر السوشيال ميديا لا تتمتع بمصداقية، مما يبرز حجم المشكلة.

إحدى أبرز ميزات هذه المنصات هي القدرة على نشر الأخبار في الوقت الفعلي، مما يساهم في رفع وتيرة تفاعل المستخدمين مع الأحداث الجارية. ومع ذلك، هذه السرعة في نقل المعلومات تؤدي إلى تهديدات كبيرة إذا تم نقل الأخبار دون تحقق من صحتها أو دقتها. فالأخبار الزائفة غالبًا ما تنال انتشارًا أكبر، خصوصًا إذا كانت تثير المشاعر أو تلامس قضايا حساسة، مثل الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الصحية. في بعض الأحيان، قد تكون هذه الأخبار المغلوطة مصممة عمدًا بهدف تضليل الجمهور أو إثارة الذعر والقلق، كما حدث في العديد من الأحداث العالمية الكبرى، مثل أزمات اللجوء، الأوبئة، أو الهجمات الإرهابية.

السرعة والسرعة وعدم التحقق

من أبرز العوامل التي تساهم في تحويل السوشيال ميديا إلى ساحة للخبر الزائف هي السرعة الهائلة التي تنتشر بها المعلومات. فالأخبار والمحتويات تُنشر في لحظات، مما يزيد من احتمالية وقوع الأخطاء أو نشر معلومات غير صحيحة. وبما أن سرعة انتشار الخبر عبر منصات التواصل تجعل من الصعب التحقق من صحة المعلومات قبل أن تُغطي العالم بأسره، فإن الشائعات قد تنتشر في ثوانٍ قليلة ويتم تقاسمها مئات المرات قبل أن يتم التحقق من صحتها، مما يفاقم المشكلة. وقد أظهرت الدراسات أن الأخبار الزائفة غالبًا ما تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة على منصات مثل تويتر وفيسبوك، بسبب تفاعل المستخدمين معها بشكل أكبر من خلال المشاركة والمناقشة.

إضافة إلى ذلك، يعد غياب التحقق من مصادر الأخبار أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى انتشار الشائعات. فعلى الرغم من أن العديد من المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي توفر أخبارًا يومية، إلا أن الكثير من الأشخاص يشاركون الأخبار دون التأكد من صحتها. وفي بعض الأحيان، يُعتبر مجرد وجود صورة أو مقطع فيديو دليلاً على صحة الخبر، بينما قد تكون هذه الأدلة معدلة أو مفبركة، مما يعزز من انتشار الأخبار الكاذبة. وفي كثير من الأحيان، تصبح الشائعات أكثر انتشارًا بسبب انتشار الحسابات الوهمية أو الروبوتات التي تساهم في نشر الأخبار بشكل غير دقيق، مما يخلق حالة من الفوضى الرقمية التي تضر بالأفراد والمجتمعات على حد سواء.

 

دور الخوارزميات في تعزيز الأخبار الزائفة

تساهم الخوارزميات المستخدمة في منصات السوشيال ميديا بشكل كبير في تعزيز انتشار الأخبار الزائفة. تعتمد هذه الخوارزميات على تحليل تفاعلات المستخدمين مع المحتوى السابق، مما يسمح بعرض المحتوى الذي يتوافق مع اهتماماتهم وسلوكهم الرقمي. هذا النظام يجعل الأخبار المثيرة أو الصادمة، بغض النظر عن مدى صحتها، تحظى بتفاعل أكبر، وبالتالي تنتشر بشكل أسرع.

الشائعات التي تثير المشاعر مثل الخوف، الغضب، أو الصدمة تتمتع بقدرة استثنائية على الانتشار. هذه المشاعر تحفز الأشخاص على مشاركة الأخبار بسرعة دون التحقق من صحتها، حيث يصبح الانتباه موجهًا أكثر إلى المحتوى العاطفي أو المثير بدلاً من المعلومات الدقيقة. مثلاً، يمكن لمحتوى يثير الرعب بشأن كارثة طبيعية أو تهديد أمني أن ينتشر بسرعة كبيرة بين المستخدمين، رغم أنه قد يكون مبنيًا على معلومات مغلوطة أو شائعات.

من المعروف أن منصات السوشيال ميديا مثل فيسبوك، تويتر، وإنستغرام، تستخدم خوارزميات تُفضل المحتوى الذي يحقق أعلى درجات التفاعل من “إعجاب” و”مشاركة” و”تعليق”. وهذا يجعل الأخبار الصادمة والأكثر إثارة للاهتمام تحصل على الأولوية في الظهور أمام المستخدمين. لكن ما قد يحدث نتيجة لذلك هو أن الأخبار الزائفة أو المغلوطة، والتي تُصنف تحت فئة الأخبار المثيرة، تحظى بمشاركة واسعة، بينما يُهمل المحتوى الموثوق والدقيق الذي يتطلب فحصًا أو تدقيقًا.

تفاقم هذه الظاهرة في بيئة تفتقر إلى الرقابة أو التحقق الدقيق من المعلومات، وهو ما يؤدي إلى تزايد انتشار الشائعات الرقمية، خصوصًا في وقت الأزمة أو الهلع الجماعي. لذا، من المهم أن تضع هذه المنصات آليات أكثر فاعلية لاحتواء هذا النوع من الأخبار وتقديم محتوى موثوق يساهم في رفع الوعي لدى الجمهور حول أهمية التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها.

ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقتصر فقط على منصات السوشيال ميديا. فالجمهور نفسه يجب أن يكون أكثر وعيًا في التعامل مع الأخبار والمحتويات المجهولة، عبر التحقق من مصادرها وموثوقيتها. إذ إن انتشار الأخبار الزائفة يُهدد ليس فقط مصداقية وسائل الإعلام، بل أيضًا استقرار المجتمع والتماسك الاجتماعي في العديد من الحالات.

 

التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للشائعات الرقمية

تأثر الأفراد في منصات التواصل الاجتماعي ليس فقط بالمعلومات التي يقرأونها، بل أيضًا بمعتقداتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية. عادةً ما يميل الأشخاص إلى تصديق الأخبار التي تتناسب مع آرائهم الشخصية، مما يخلق نوعًا من التحيز في طريقة تداول الأخبار. هذا التحيز يعزز من انتشار الأخبار الزائفة، حيث يصبح من السهل قبول المعلومات المغلوطة دون التحقق من صحتها. وفي كثير من الأحيان، يشارك الناس الأخبار التي تدعم مواقفهم أو تعزز أفكارهم حتى ولو كانت هذه الأخبار غير صحيحة.

ولكن الأضرار الناتجة عن هذه الشائعات لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تمتد لتؤثر في المجتمع بشكل عام. فعندما تنتشر الأخبار الكاذبة، قد تتسبب في إثارة الخوف والقلق بين الناس. على سبيل المثال، شائعة اقتصادية قد تؤدي إلى سحب الأفراد لأموالهم من البنوك أو إيقافهم للاستثمار، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد ويؤدي إلى تراجع الأسواق المالية. كما أن الشائعات السياسية يمكن أن تؤدي إلى توتر العلاقات بين الدول أو تعزيز الانقسامات بين المجتمعات، مما يزيد من الفتنة والصراعات. وبذلك، تصبح الشائعات الرقمية عاملًا محوريًا في تشكيل الرأي العام بطريقة خاطئة، مما يؤدي إلى آثار سلبية يصعب التعامل معها في كثير من الأحيان.

بحسب ” نور الدين علوان” مُدرب في مجال السلامة الرقمية والتحقق من المعلومات: المعلومات التي يتلقاها الأفراد يومياً تُشكّل جزءاً أساسياً من سلوكهم الرقمي، مما يمنح الشائعات والمعلومات المضللة تأثيراً واسعاً. المحتوى الذي يعتمد على الإلحاح، مثل التحذيرات الأمنية، أو العروض المالية المغرية، يدفع المستخدم إلى التفاعل بسرعة، مما يُسهل عمليات جمع البيانات، أو استغلال الثغرات الرقمية بطرق غير مباشرة.

 

الشائعات الرقمية تظهر عبر منشورات على وسائل التواصل، أو رسائل متداولة بين المستخدمين، أو مواقع تحاكي المنصات الرسمية. التفاعل مع هذه المعلومات يؤدي إلى مشاركة بيانات شخصية، أو تحميل تطبيقات غير معروفة، أو تعديل إعدادات الجهاز بطرق تُضعف مستوى الحماية. هذه التغييرات تُستغل لاحقاً في عمليات تصيّد أكثر تطوراً، حيث يتم تحليل سلوك المستخدم واستهدافه بمحتوى أكثر دقة يتماشى مع بياناته السابقة.

في البيئات غير المستقرة، يعتمد الأفراد على الإنترنت للوصول إلى المعلومات واتخاذ القرارات بسرعة. هذا الاعتماد المتزايد يمنح الشائعات بيئة خصبة للانتشار، حيث يُصبح المستخدم أكثر قابلية للتفاعل مع المحتوى الرقمي دون التحقق من مصدره. مع الوقت، يتم تسجيل بياناته ضمن شبكات تُعيد استهدافه بأساليب أكثر تعقيداً، مما يُعرّضه لمخاطر رقمية متجددة.

 

كيف يمكن الحماية من هذه الشائعات؟

مراجعة مصدر أي معلومة قبل التفاعل معها، والبحث عن تأكيد من جهات موثوقة.

تجنب مشاركة البيانات الشخصية في نماذج إلكترونية غير رسمية أو مجهولة المصدر.

التحقق من أذونات التطبيقات قبل تثبيتها، والحد من وصولها إلى المعلومات غير الضرورية.

الاعتماد على إعدادات أمان مُحدّثة، وتجنب تعديلها بناءً على معلومات غير مؤكدة.

التحليل قبل التفاعل مع أي محتوى رقمي يُشكّل خط الدفاع الأول ضد الشائعات، ويمنح المستخدم قدرة أكبر على حماية بياناته، وتعزيز أمانه الرقمي في بيئة تتغير باستمرار.

 

تقنيات التلاعب بالمحتوى

أصبح التلاعب بالصور والفيديوهات من أبرز الأساليب التي تُستخدم لنشر الأخبار الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي. فتقنيات تعديل الصور والفيديوهات المتاحة اليوم جعلت من السهل جدًا على أي شخص التلاعب بالصور وإعادة تشكيلها لتبدو وكأنها حقيقية، بينما هي في الواقع مجرد تحريف للحقائق. هذه الصور والفيديوهات المعدلة قد تكون جزءًا من حملات مغرضة تهدف إلى تشويه سمعة شخصيات عامة، أو نشر رسائل سياسية أو اجتماعية مغلوطة.

غالبًا ما يتم تداول هذه المحتويات المعدلة بشكل واسع، سواء كان ذلك عبر منصات السوشيال ميديا أو في الأخبار الشعبية، مما يؤدي إلى انتشار الشائعات بسرعة دون التحقق من صحتها. في بعض الحالات، قد يتم تعديل صورة لشخصية عامة لتظهر في وضع مخل بالأخلاق، أو يتم تصوير حدث ما بطريقة تؤدي إلى تفسير خاطئ للأحداث. وبالتالي، يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المزيف، مما يعزز انتشار الأخبار الكاذبة ويخلق حالة من التضليل في المجتمع.

ومع تزايد استخدام برامج تعديل الصور والفيديوهات، تزداد أيضًا التحديات التي تواجه الأفراد في التحقق من الأخبار التي يتعرضون لها يوميًا. فبينما قد تبدو هذه المواد كأدلة دامغة، إلا أن التلاعب الرقمي يجعل من السهل أن نُخدع ونعتقد أن هذه المواد هي الحقيقة. وتبقى القضية الأكبر في كيفية التأكد من صحة المعلومات التي يتم مشاركتها عبر الإنترنت في ظل هذه الفوضى الرقمية.

 

الشائعات الرقمية وأثرها على الأمن الشخصي

في الوقت الذي تزداد فيه سرعة انتشار الأخبار والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتجلى أهمية حماية الأمن الرقمي. فالشائعات الرقمية لا تقتصر فقط على نشر الأخبار الكاذبة، بل قد تُستخدم أيضًا كأداة لشن هجمات رقمية تستهدف الأفراد أو حتى المؤسسات.

ومع تزايد خطر هذه الشائعات، يصبح من الضروري أن نكون على وعي تام بأهمية الأمن الرقمي في مواجهة هذا التحدي. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الشائعات المغرضة إلى خلق حالة من الذعر أو الفوضى بين الناس، مما يسهل استغلال ذلك لسرقة بياناتهم الشخصية أو الإضرار بسمعتهم على الإنترنت. لهذا السبب، يجب أن نتخذ خطوات واضحة للحفاظ على أماننا الرقمي.

إجراءات الأمان والسلامة الرقمية، مثل التحقق من مصادر المعلومات وعدم التفاعل مع الروابط المشبوهة، هي أساسية لحماية المعلومات الشخصية والمجتمع من الأخبار الزائفة والتهديدات الرقمية. كما أن تحديث الأجهزة واستخدام كلمات مرور قوية يعززان قدرة الأفراد على مواجهة أي محاولة لسرقة بياناتهم أو التلاعب بهم عبر الإنترنت.

 

التعامل مع الشائعات الرقمية

للحد من انتشار الشائعات الرقمية، يتعين اتخاذ خطوات فعّالة على عدة مستويات. بدايةً، يتوجب على الأفراد أخذ مسؤولية نشر المعلومات على عاتقهم، فكل شخص بات يمتلك دورًا في التأكد من صحة الأخبار قبل أن يساهم في نشرها. ويجب على الأفراد أن يتحققوا من المعلومات عبر أدوات مستقلة وموثوقة مثل “Snopes” و”FactCheck.org” اللتين توفران فحصًا دقيقًا للأخبار المتداولة وتساعدان في التأكد من صحة المصدر. كما ينبغي توخي الحذر عند التعامل مع الصور والفيديوهات المعدلة أو المضللة، إذ أصبحت هذه الوسائل من أبرز الطرق لنشر الأخبار الكاذبة.

من جانب آخر، تقع على عاتق منصات السوشيال ميديا مسؤولية أكبر في مكافحة انتشار الأخبار الزائفة. فالشركات المالكة لتلك المنصات يجب أن تكون أكثر جدية في تطوير آليات للتدقيق والتحقق من الأخبار قبل أن يتم نشرها. بالإضافة إلى ضرورة العمل على وضع سياسات صارمة ضد الحسابات الوهمية أو المضللة التي تروج للأخبار الكاذبة بشكل متعمد، وإيقاف الحسابات التي تنشر شائعات مؤذية بشكل متكرر. قد يشمل ذلك تفعيل تقنيات الذكاء الصناعي للكشف المبكر عن الأخبار الزائفة وتنبيه المستخدمين عند مواجهة محتوى مشكوك في صحته.

وأخيرًا، يجب تعزيز الوعي الإعلامي بين الأفراد ليكون لديهم القدرة على التمييز بين الخبر الصحيح والخبر المغلوط. فعلى المدارس والمؤسسات التعليمية، وكذلك وسائل الإعلام، أن تكون جزءًا من هذا التوجه من خلال تقديم برامج تعليمية تساعد الأفراد على فهم أساليب التضليل الإعلامي وكيفية التعامل معها. ويجب أن يتعلم الجمهور أهمية التحلي بروح النقد عند التعامل مع الأخبار، وعدم تصديق كل ما يُنشر على الإنترنت دون التأكد من مصادره.

 

في النهاية، إن التصدي لانتشار الشائعات الرقمية يتطلب تعاونًا جماعيًا بين الأفراد، منصات التواصل الاجتماعي، والمؤسسات الإعلامية. فكلما تم اتخاذ إجراءات وقائية أقوى وتمت ممارستها بشكل موحد، كلما استطاع المجتمع الحد من تأثير الأخبار الزائفة على الرأي العام واستعادة الثقة في وسائل الإعلام الرقمية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى